- Détails
طوالَ حياتِه، كانَ يجمعُ المرايا. يريدُ أن يرى نفسَهُ من كلِّ الزوايا، ليطمئنَّ أنَّه لا يزالُ هناك.
ذاتَ فجر، استيقظَ على صمتٍ غريب. نظرَ إلى المرآةِ الكبرى لبيته الصغير، فلم يجدْ صورتَه. ظنَّ أنَّ الضوءَ خانه، ففتحَ الستائر، لكنَّ وجهَه ظلَّ غائباً. تفقَّدَ المرايا الصغيرَة في الطرقات، في مكتبه، عند الجيران، متطلعا للوجوه التي رسمَها في ذاكرتِه، فكانتْ كلُّها تعكسُ الفراغَ ذاتَه.
شعرَ بالذعرِ لأولِ وهلة، ثمَّ تدريجياً، بدأَ يحسُّ بخفَّةٍ وبرود لم يعهدْهما من قبل. لم يعدْ سجيناً لهذه الأطرٍ الزجاجية، ولا مديناً لملامحَ يحبُّها الناسُ أو يكرهونَها.
خرجَ إلى الشارعِ عارياً من صُورته يصرخ كأرخميدس "وجدتها"، يمرُّ بالناسِ فلا يلمحونَ فيه إلا انعكاسَ أحلامِهم هم. أدركَ حينها أنَّ الحريةَ تبدأُ حينَ تنتهي سُلطةُ المرآة، وأنَّه حينَ فقدَ وجهَه، عثرَ أخيراً على رُوحِه التي لا شكلَ لها.
- Détails
أمضى عقوداً وهو يرمّم الجسورَ نحو الآخرين؛ يفتلُ من عصبِ صبره حبالاً للوصل، ظانّاً أنَّ الوصولَ هو عناقُ اليدِ باليد. لكنَّه، عند منعطفِ الحقيقة، أبصرَ الفراغ. أدركَ أنَّ أمتنَ جسرٍ هو ذاك الذي لم يبنِهِ بعد: الجسرُ الممتدُّ نحو صمته الداخليّ، نحو عزلته الوارفة.
أدرك أن حيواته ليس في العثور على الآخر، بل في امتلاك الشجاعة لترك المسافة شاسعة بين ما يظنه الناس عنه، وبين سريرته التي يصافحها كل يوم في المرآة دون إرتباك، ذاته التي وجد فيها، أخيراً، وطناً لا يغادره، ونحو وقاره الداخلي الذي لا يحتاج لشهود.
في تلك اللحظة، كفَّ عن رتْق الثقوب. تركَ الحبالَ القديمة تتآكلُ وتسقط، ومضى نحو مقهاه المعتاد بخطوةٍ خفيفة. لم يدخل ليرقب الوجوه، بل ليتأمل الفراغ الأنيق على مقعده. ثم مزق كل أوراقه الجديدة ليعيد صياغتها وفقا لروحه المتقبلة. لم يضعِ الطريق كما قد يظنّون، بل لأنه صار هو "الطريق" وهو "الوصول".
- Détails
أمسك بطرف الخيط الممتد من كنزته الصوفية القديمة التي نسجتها له جدته الرائعة الراحلة، وبدأ يسحب. لم يكن يريد إصلاحها، بل كان يراقب كيف يتلاشى الكيان الذي منحه الدفء لسنوات، ليتحول إلى مجرد خيوطٍ مبعثرة لا شكل لها.
سحب وسحب، حتى تجمعت تحت قدميه كومة من الصوف رأى فيها خيال الأم الحنون، وأصبح صدره عارياً أمام برد الغرفة. شعر بالخوف للحظة، لكنه سرعان ما أدرك أن خلاص روحه العارية هي أن يجرؤ على هدم ما صنعته أيدي المحبين ليكتشف من يكون خلف الستائر والملابس والمسميات.
في تلك الليلة، لم ينم من البرد، لكنه شعر ولأول مرة بحرارة الحقيقة: إننا لا نملك الأشياء ولا حتى أعز الناس، بل هي التي تملكنا، وبمجرد أن نفقدها، نبدأ أخيراً في امتلاك أنفسنا.
نظر إلى الكومة الصوفية وقال: "وداعاً أيها الدفء المستعار، أهلاً بالبرد الصادق".
- Détails
مشى على رمل شاطئ حلق الوادي بتونس العاصمة. مشى طويلاً، لا لكي يصل إلى نهاية، بل ليتأكد أن البحر لا يزال يتقن مهنة "المحو". كان يلتفت خلفه كل بضع خطوات، يراقب كيف تبتلع الأمواج آثار أقدامه ببرودٍ ملفت للأنظار. أخذ يمشي فوق الرمال المبتلة دون أن تترك خلفه جرحاً في ذاكرة التراب.
ثم جلس في ركن منسي من مقهى قديم يطلّ على البحرٍ، على ضفاف أمواج لا تهدأ ولا تنام، جلس يراقب احتراق سيجارة في منفضة على طاولة قبالته. لم يكن يدخن، لكنه أحس بالدخان يسكن رئتيه. كان يتأمل كيف يتحول الوجود إلى رماد بصمتٍ مهيب وحزن عميق. أخرج بقبضة مرتعشة من جيبه مسودة قديمة، كلماتٌ صفراء خطها حين كان يافعا أخضر البنان، كأنها جُمعت من بقايا خريف حياته الذي لم ينتهِ وربيعه الذي لم يرد له القدر أن يبدأ. كان يظن لسنوات أن الكلمات بإمكانها ملأ الفراغات بحياة ذات معنى، كان يحسب أنه كان بإمكانه ترويض قلقه الوجودي بالكلمات، أو أن يغزل من أوجاعه نصاً يشبه الحرير في انسيابه. لكنه اليوم، وهو يشعر ببرودة الغياب تتسلل إلى مفاصله، أدرك أن فعل الكتابة ليس في الكلمات بل في "المحو"، أدرك أنه يسكن في الجوانب البيضاء من الورقة.
أمسك بالقلم برجفة خفيفة، ولم يضف سطراً واحداً. بدلاً من ذلك، بدأ يشطب أسماء المدن والأمصار التي لم يزرها، والنساء اللواتي لم يحبهن، والوعود التي لم تكتمل والأشياء التي لم يقتنيها والأمنيات التي لم تتحقق. ومع كل كلمة يمحوها، كان يشعر بخفة غريبة، كأن جسده يبتعد عن الأرض، كأن أكياسا من الإسمنت أزيحت من على كتفيه، كأنه منطاد صغير خف حمله ليقدر على الطيران لأول مرة.
أدرك أن الكتابة الحقيقية هي أن يتحرر المرء من رغباته، في أن يكون "شيئاً جميلا" في ذاكرة الآخرين. أن يقبل بكونه مجرد عابر سبيل في حياة الغرباء، بصمة ريح على زجاج نافذة الجيران، أو مرهما يبعد صرخة مكتومة لعليل في جوف ليل طويل.
عندما فرغت الورقة تماماً، وصارت بيضاء كفجرٍ صادق، طواها وجعل منها طائرة ورقية، ثم أطلقها الى موج البحر. وبينما كانت الأمواج تبتلع الورقة، أحس لأول مرة بأن روحه هي التي طفت كالريش فوق الرماد، وأن السجن لم يكن يوماً في الجدران، بل في الكلمات التي ظن أنها ستنقذه.
نظر إلى البحر في ابتسامة خفيفة وقال في سره: "الآن فقط، إكتمل النص، الآن انتهت الحكاية".
- Détails
L'orbite d'un monde neuf
Est une quête sans pareille,
Le jeu d'une double épreuve,
Une aurore qui s'ensommeille.
Lire la suite : L'orbite d'un nouveau monde
Ecrire un commentaire (0 Commentaires)- Détails
Les livres non publiés
Sillonnent les ruelles étroites
Des médinas hantées
Et des esprits qui boitent.
Lire la suite : Les tombeaux d'encre
Ecrire un commentaire (0 Commentaires)- Détails
Un, comme le seul et le bon Dieu,
À qui je parle tous les jours,
Sans publicité, sans tambours,
Le souffle court et le cœur pieux.
Lire la suite : Le compte est bon
Ecrire un commentaire (0 Commentaires)- Détails
Une première vie pour bien vivre
Une deuxième pour être libre
Une troisième pour surmonter les défis
Et une quatrième pour défaire les ennemies
Une cinquième pour les enfants
Lire la suite : Déferlantes vies à plusieurs
Ecrire un commentaire (0 Commentaires)- Détails
Le train-train de la vie,
Butin de tous les paris,
Il nous apprend le bien et le mal,
Dans les taudis et les grandes salles.
Lire la suite : Le train de la vie
Ecrire un commentaire (0 Commentaires)- Détails
Je regarde l’océan
Droit dans les yeux,
Comme un oiseau de feu,
Comme une licorne blanche
Survolant l'avalanche.
Lire la suite : Contemplations
Ecrire un commentaire (0 Commentaires)









