This article has words
Reading time is around minutes.

طوالَ حياتِه، كانَ يجمعُ المرايا. يريدُ أن يرى نفسَهُ من كلِّ الزوايا، ليطمئنَّ أنَّه لا يزالُ هناك.

ذاتَ فجر، استيقظَ على صمتٍ غريب. نظرَ إلى المرآةِ الكبرى لبيته الصغير، فلم يجدْ صورتَه. ظنَّ أنَّ الضوءَ خانه، ففتحَ الستائر، لكنَّ وجهَه ظلَّ غائباً. تفقَّدَ المرايا الصغيرَة في الطرقات، في مكتبه، عند الجيران، متطلعا للوجوه التي رسمَها في ذاكرتِه، فكانتْ كلُّها تعكسُ الفراغَ ذاتَه.

 

شعرَ بالذعرِ لأولِ وهلة، ثمَّ تدريجياً، بدأَ يحسُّ بخفَّةٍ وبرود لم يعهدْهما من قبل. لم يعدْ سجيناً لهذه الأطرٍ الزجاجية، ولا مديناً لملامحَ يحبُّها الناسُ أو يكرهونَها.

خرجَ إلى الشارعِ عارياً من صُورته يصرخ كأرخميدس "وجدتها"، يمرُّ بالناسِ فلا يلمحونَ فيه إلا انعكاسَ أحلامِهم هم. أدركَ حينها أنَّ الحريةَ تبدأُ حينَ تنتهي سُلطةُ المرآة، وأنَّه حينَ فقدَ وجهَه، عثرَ أخيراً على رُوحِه التي لا شكلَ لها. 

Comments powered by CComment

Related pages

أنا ولما لا ؟
أنا ولما لا ؟ صرخ "حسونة" جزار الحي في السوق : "اللحم الطري ، أفضل لحم في المدينة هنا ، عند كركر" "إقتربوا ، هنا اللحم الأبيض والأحمر المتوسط ، إقتربوا ". تفقد الحريف بترد...
الكلمات
الكلمات مشى على رمل شاطئ حلق الوادي بتونس العاصمة. مشى طويلاً، لا لكي يصل إلى نهاية، بل ليتأكد أن البحر لا يزال يتقن مهنة "المحو". كان يلتفت خلفه كل بضع خطوات، يراقب كي...
الخيط
الخيط أمسك بطرف الخيط الممتد من كنزته الصوفية القديمة التي نسجتها له جدته الرائعة الراحلة، وبدأ يسحب. لم يكن يريد إصلاحها، بل كان يراقب كيف يتلاشى الكيان الذي منحه ال...